ابن قتيبة الدينوري

184

تأويل مشكل القرآن

كتاب أنزل إليك فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [ الأعراف : 2 ] ، و يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) [ يس : 1 ، 2 ] . و ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) [ ص : 1 ] ، و ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) [ ق : 1 ] ، كله أقسام . وإن كان حروفا مأخوذة من صفات اللّه ، فهذا فنّ من اختصار العرب ، وقلّما تفعل العرب شيئا في الكلام المتصل الكثير إلا فعلت مثله في الحرف الواحد المنقطع . فكما يستعيرون الكلمة فيضعونها مكان الكلمة لتقارب ما بينهما ، أو لأنّ إحداهما سبب للأخرى ، فيقولون للمطر : سماء ، لأنه من السماء ينزل ويقولون للنبات : ندى ، لأنه بالندى ينبت ، ويقولون : ما به طرق ، أي ما به قوّة ، وأصل الطّرق : الشحم ، فيستعيرونه مكان القوّة ، لأنّ القوّة تكون عنه . كذلك يستعيرون الحرف في الكلمة مكان الحرف فيقولون : « مدهته » بمعنى : ( مدحته ) ، لأن ( الحاء ) و ( الهاء ) يخرجان جميعا من مخرج واحد . ويقولون للقبر : جدث وجدف ، ويقولون : ثوم وفوم ومغاثير ومغافير لقرب مخرج ( الفاء ) من ( التاء ) . ويقولون : هرقت الماء وأرقته ، ولصق ولسق ، وسحقت الزعفران وسهكته ، وغمار الناس وخمارهم . في أشباه لهذا كثيرة يبدلون فيها الحرف من الحرف ، لتقارب ما بينهما . وكما يقلبون الكلام ويقدّمون ما سبيله أن يؤخّر ، ويؤخرون ما سبيله أن يقدّم ، فيقولون « 1 » : كان الزناء فريضة الرجم أي كان الرجم فريضة الزّنى .

--> ( 1 ) يروى البيت بتمامه : كانت فريضة ما تقول كما * أنّ الزناء فريضة الرجم والبيت من الكامل ، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص 35 ، ولسان العرب ( زنى ) ، وبلا نسبة في أمالي المرتضى 1 / 216 ، والإنصاف 1 / 373 ، والأضداد للسجستاني ص 152 ، وتفسير البحر المحيط 6 / 33 ، ومجمع البيان 1 / 155 .